السيد محمد حسين فضل الله
108
من وحي القرآن
وقد نستوحي كل ذلك من ملاحظة أن النسك هنا الوقوف في عرفات ، تماما كما لو أن الإنسان يعيش في رحلة طويلة تجهده ، وتتعبه ، وتكلفه الكثير من الخسائر ، وتواجهه بالكثير مما يقوم به من أعمال ومشاريع . . . فيشعر بالحاجة إلى وقفة يتخفف فيها من متاعبه ، ويراجع فيها حساباته ، ويعرف فيها ماذا بقي له من الرحلة وما مضى منها ، ليبدأ من موقع التجدد الروحي الذي يملأ كيانه في رحلة جديدة واعية لكل أوضاع الحاضر والمستقبل . ويفيض الحاج من عرفات بعد أن يستكمل هذا الموقف الروحي في التأمل الخاشع ، والدعاء المنفتح على اللّه ، والصلاة السابحة في آفاقه ، لينتقل إلى فريضة أخرى مماثلة ، ولكن في مكان آخر : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ الذي يجب فيه الوقوف من جديد من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس - على مذهب الإمامية - وفي ما بين الطلوعين - على رأي الآخرين - وهي وقفة جديدة في وقت جديد ، يعيش الإنسان فيها ذكر اللّه الذي هدانا إلى طريق الحق بعد أن كنا من قبله من الضالين وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ، فنعرف بذلك نعمة الهدى ونتلمس فيه معنى النعمة في ما يوحيه للإنسان من معاني الرضى والروح والطمأنينة ، ويبعده عن نوازع الشك والقلق والضياع ، ويوجهه إلى الحياة الرحبة الطاهرة الخالية من كل دنس أو رجس أو التواء ، والقريبة إلى الحب والخير والسّلام . أو يؤدي به - في نهاية المطاف - إلى عفو اللّه ورضوانه في جنة عرضها السماء والأرض أعدت للمتقين ، مما يضمن له خير الدنيا والآخرة ، وينطلق ليتعرف - في مقابل ذلك - النتائج السلبية للضلال في داخل النفس وخارجها ، في الحياة الفردية والاجتماعية في الدنيا وفي الآخرة . . . وبذلك يحس بالشكر العميق لنعمة الهدى ، ويعيش الشعور بالامتنان للّه الذي وهبه هذه النعمة بأكثر مما يحس به إزاء النعم المادية التي وهبها له في هذه الحياة . ولعل في التذكير بحالة الضلال دعوة إلى أن يدخل الإنسان في عملية